iKora

استبعاد مصطفى محمد يكشف فلسفة حسام حسن الهجومية

وداع مونديالي يفتح ملفًا أقدم من مباراة إيران

انتهى مشوار منتخب مصر في دور المجموعات من كأس العالم 2026 بعد التعادل 1-1 أمام إيران مساء السبت 27 يونيو 2026، في لقاء أُقيم على ملعب لومين فيلد بمدينة سياتل. وتقدم الفراعنة مبكرًا عبر محمود صابر في الدقيقة الخامسة، قبل أن يعادل رامين رضائيان النتيجة لإيران في الدقيقة 14، بينما تصدى مصطفى شوبير لركلة جزاء في الدقيقة 11، في مباراة عكست التوتر الكبير الذي صاحب أصعب لحظة للمنتخب المصري في المجموعة السابعة.

لكن إذا كانت النتيجة أمام إيران قد أغلقت صفحة المشاركة، فإن سؤالًا أعمق ظل حاضرًا: ماذا قال استبعاد مصطفى محمد منذ البداية عن طريقة تفكير حسام حسن الهجومية؟ الإجابة لا تبدأ من صافرة مباراة الخروج، بل من يوم 20 مايو 2026، حين أعلن المدرب قائمته النهائية للمونديال، وظهر الغياب الأكثر إثارة للنقاش: مهاجم نانت الفرنسي خارج المشهد تمامًا.

الاستبعاد لم يكن تفصيلة.. بل إشارة تكتيكية مبكرة

بحسب ما نشره الاتحاد القاري والمواد الرسمية الخاصة بالمونديال، أعلن حسام حسن قائمة مصر يوم 20 مايو 2026 استعدادًا للبطولة، قبل تقليص الخيارات والاستقرار على مجموعة هجومية مختلفة في ملامحها وأدوارها. المادة المنشورة على موقع CAF وصفت غياب مصطفى محمد بأنه «أبرز استبعاد» في التحضيرات المصرية، وهو توصيف مهم لأنه يؤكد أن القرار لم يكن هامشيًا أو فرضته ظروف طارئة غير معلنة، بل كان قرارًا فنيًا واضحًا منذ البداية.

القائمة النهائية التي نشرتها FIFA أظهرت بوضوح شكل هذا التوجه: وجود محمد صلاح، عمر مرموش، محمود تريزيجيه، حمزة عبدالكريم، هيثم حسن، إبراهيم عادل، إلى جانب أحمد سيد زيزو ومصطفى زيكو ضمن العناصر القادرة على اللعب أماميًا أو بين الخطوط، من دون وجود رأس حربة صريح من نوعية مصطفى محمد. كما تكشف القائمة الرسمية للبطولة أن مصطفى محمد لم يكن ضمن اللاعبين الـ26 المسجلين لمصر.

ماذا أراد حسام حسن هجوميًا؟

الاختيارات نفسها تقول الكثير. حسام حسن لم يذهب إلى المونديال بفكرة المهاجم المحطة الثابتة داخل منطقة الجزاء، بل بدا أقرب إلى بناء هجوم يقوم على المرونة، والضغط، وتبادل المراكز، والسرعة في التحولات. وجود مرموش وصلاح وتريزيجيه، ثم منح مساحة لاسم شاب مثل حمزة عبدالكريم، يشير إلى رغبة في صناعة هجوم متحرك أكثر من الرهان على مهاجم صندوق كلاسيكي.

هذا التصور ظهر بوضوح أكبر أمام إيران. التشكيل الأساسي الذي أعلنته بوابة الأهرام ومصراوي ضم في المقدمة محمد صلاح ومحمود تريزيجيه ومصطفى زيكو، مع بقاء عمر مرموش وحمزة عبدالكريم وهيثم حسن وزيزو على الدكة عند البداية. غاب رأس الحربة الصريح مرة أخرى، ما يعني أن قرار استبعاد مصطفى محمد لم يكن مجرد استبعاد اسم، بل استبعاد نموذج لعب كامل.

ملامح النموذج الهجومي الذي اختاره المدرب

  • جناحان أو مهاجمان متحركان بدل المهاجم الثابت.
  • الرهان على السرعة في التحول، خصوصًا عبر صلاح ومرموش وتريزيجيه.
  • توسيع قاعدة المساهمين تهديفيًا بحيث يأتي الهدف من لاعب وسط أو جناح، كما حدث أمام إيران عبر محمود صابر.
  • منح الأفضلية للاعب القادر على شغل أكثر من مركز، وهي ميزة واضحة عند زيزو وإبراهيم عادل وهيثم حسن.

مباراة إيران أكدت الاتجاه.. وكشفت حدوده أيضًا

أمام إيران، لم يعجز المنتخب عن التسجيل؛ بل سجل مبكرًا عبر محمود صابر. لكن المباراة نفسها أظهرت في المقابل حدود هذا الاختيار عندما يحتاج الفريق إلى حل مباشر داخل المنطقة أو إلى لاعب يثبت المدافعين ويمنح زملاءه نقطة ارتكاز هجومية تحت الضغط. بعد الهدف المصري المبكر، احتاج المنتخب إلى مزيد من القدرة على الاحتفاظ بالكرة في الثلث الأخير وترجمة العرضيات والكرات الثانية، وهي وظائف ترتبط عادة بمهاجم رقم 9 واضح الملامح.

التشكيل الذي دخل به حسام حسن اللقاء، ثم أسماء البدلاء المتاحة، يوضحان أن المدرب كان مستعدًا لتغيير الوجوه داخل المنظومة نفسها، لا لتغيير المنظومة ذاتها. حتى البدائل الهجومية على الدكة كانت من طراز متقارب: مرموش، زيزو، هيثم حسن، حمزة عبدالكريم، إبراهيم عادل. المعنى هنا أن الجهاز الفني كان مؤمنًا حتى النهاية بفكرة الهجوم الدوّار لا الهجوم المرتكز على رأس حربة صريح.

هل كان القرار مرتبطًا بالمستوى أم بالهوية؟

من الصعب الجزم بسبب منفرد من دون تصريح مباشر من الجهاز الفني، لكن الوقائع المتاحة تقود إلى استنتاج أقرب للمنطق: القرار كان متعلقًا بالهوية الهجومية أكثر من كونه حكمًا فرديًا على اسم مصطفى محمد فقط. فحين تستبعد مهاجمًا معروفًا بحضوره البدني ولعبه داخل الصندوق، ثم تبني القائمة الرسمية كلها تقريبًا على مهاجمين متحركين وأجنحة ولاعبي طرف، فإنك تعلن بوضوح نوع المباراة التي تريدها ونوع الهجوم الذي تفضله. هذا استنتاج تدعمه بنية القائمة نفسها والتشكيل الذي ظهر أمام إيران.

وما يعزز هذا الفهم أن حسام حسن اتجه أيضًا إلى منح مساحة لاسم شاب مثل حمزة عبدالكريم، الذي وصفته تقارير المونديال بأنه موهبة هجومية صاعدة معارة إلى برشلونة ب. إدخال هذا النوع من الأسماء في بطولة بحجم كأس العالم يعني أن المدرب كان يبحث عن الديناميكية والمفاجأة والقدرة على اللعب بين المساحات، لا فقط عن الخبرة التقليدية في مركز المهاجم.

الرسالة الأوضح للجمهور المصري

في الشارع الكروي المصري، كان من السهل اختزال القصة في سؤال: لماذا خرج مصطفى محمد؟ لكن بعد نهاية المشوار أمام إيران، تبدو الصياغة الأدق مختلفة: لماذا اختار حسام حسن أن يذهب إلى أصعب بطولة في العالم من دون مهاجم صريح بالمواصفات الكلاسيكية؟ الإجابة التي تقدمها الوقائع هي أنه أراد منتخبًا أسرع، أكثر سيولة، وأكثر اعتمادًا على الحركة الجماعية، حتى لو كان الثمن فقدان بعض الحلول المباشرة داخل منطقة الجزاء.

هذه ليست إدانة تلقائية للفكرة، ولا تبرئة لها. الفكرة منحت المنتخب تنوعًا وحركة وفتحت الباب أمام أسماء مثل محمود صابر ومصطفى زيكو وحمزة عبدالكريم. لكنها في اللحظات الكبيرة، مثل مباراة إيران الحاسمة، بدت بحاجة إلى خيار مغاير على الدكة أو في التشكيل، خيار يفرض نوعًا مختلفًا من الحلول عندما تتعقد المباراة. وهنا بالتحديد يصبح استبعاد مصطفى محمد من القائمة الأولية دالًا: لم يكن مجرد قرار فني عابر، بل عنوانًا لفلسفة هجومية كاملة اختارها حسام حسن، وظهرت بوضوح في أصعب لحظة لمنتخب مصر في مونديال 2026.

الخلاصة

بعد التعادل مع إيران والخروج من دور المجموعات، يمكن قراءة ملف استبعاد مصطفى محمد باعتباره واحدًا من أهم مفاتيح فهم نسخة حسام حسن. المدرب لم يكن يبحث عن بديل اسمًا باسم، بل عن هجوم جديد في الفكرة نفسها: مرن، سريع، متبدل المواقع، وأقل اعتمادًا على رأس الحربة الصريح. غير أن مونديال التفاصيل القاسية كشف أيضًا أن الجرأة في الاختيار تحتاج دائمًا إلى خطة بديلة بنفس القوة. وبين الفكرة والنتيجة، يبقى هذا الاستبعاد واحدًا من أكثر قرارات مصر إثارة للنقاش بعد وداع كأس العالم 2026.