بيراميدز بعد خسارة الدوري: مشروع كبير لا يتوقف عند الوصافة
بيراميدز بين مرارة الدوري ورسالة المشروع
حين يصل سباق الدوري المصري إلى الجولة الأخيرة، ثم يخرج بيراميدز بلا لقب لكنه محتفظًا بمقعده في دوري أبطال أفريقيا 2025-2026، فالقصة لا تصبح مجرد خسارة بطولة محلية. نهاية الموسم 2024-2025 قالت شيئًا أعمق عن النادي: هذا فريق بات حاضرًا في معادلات الحسم حتى النهاية، وقادرًا على تحويل الإحباط المحلي إلى زخم قاري حقيقي. وبحسب ما نشره يلا كورة بعد إسدال الستار على الموسم يوم 31 مايو 2025، تُوج الأهلي بطلاً للدوري للمرة 45، فيما حسم بيراميدز الوصافة وتأهل مع الأهلي إلى دوري الأبطال، بينما جاء الزمالك ثالثًا وذهب إلى الكونفدرالية للموسم الثالث تواليًا.
هذه النهاية وحدها تكفي لتأكيد أن بيراميدز لم يعد ضيفًا على صدارة المشهد. صحيح أنه خسر لقب الدوري، لكن مجرد بقاء المنافسة مفتوحة حتى الجولة الأخيرة يعكس ثباتًا تنافسيًا لم يكن متاحًا للنادي قبل سنوات قليلة. والأهم أن الوصافة هذه المرة لم تأتِ بوصفها حدًا أقصى لطموح الفريق، بل بدت أقل من المتوقع قياسًا بما قدمه على مدار الموسم. وهذا في حد ذاته مؤشر مهم: سقف التقييم داخل بيراميدز ارتفع.
مطاردة حتى النفس الأخير.. تغيّر في الشخصية
المعنى الأول في مشهد الجولة الأخيرة هو أن بيراميدز امتلك شخصية السباق الطويل. الفريق لم يكن يطارد مركزًا مؤهلًا فقط، بل نافس على اللقب حتى الأمتار الأخيرة في موسم استثنائي جرى بنظام مرحلتين، الأولى من دور واحد ثم تقسيم الأندية إلى مجموعتين للتتويج والهبوط. هذا السياق جعل كل تعثر مكلفًا للغاية، ومع ذلك بقي بيراميدز داخل المعركة حتى النهاية.
لكن الوجه الآخر للحكاية أن الفريق دفع ثمن بعض الهزات في توقيت حساس. FilGoal أشار إلى أن خسارتين أمام فاركو والبنك الأهلي أشعلتا المنافسة ومنحتا الأهلي أفضلية في المنعطف الأخير. هذه التفاصيل مهمة، لأنها تقول إن بيراميدز لم يخسر بسبب فجوة جودة كبيرة، بل بسبب هامش ضيق في إدارة اللحظات القاتلة داخل الموسم.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر دقة: ماذا يقول ذلك عن النادي؟ الإجابة أن بيراميدز بات يملك فريق بطل من حيث الأدوات، لكنه لا يزال يعمل على ترسيخ الاستمرارية الذهنية التي تحسم سباقات الدوري في مصر. بطولات الكؤوس والقارة قد تُحسم بمباريات كبيرة ولحظات ملهمة، أما الدوري فيحتاج قدرة أعلى على النجاة من المباريات الرمادية والضغوط المتراكمة.
التأهل إلى دوري الأبطال ليس تفصيلًا عابرًا
في الكرة المصرية، قد يبدو التأهل إلى دوري الأبطال أمرًا بديهيًا عندما نتحدث عن نادٍ يملك هذه الأسماء والإمكانات. لكن الواقع أن تثبيت هذا المقعد عامًا بعد عام هو علامة على التحول من مشروع طموح إلى قوة مستقرة. حسم بيراميدز للمقعد القاري، مقابل ذهاب الزمالك إلى الكونفدرالية، يوضح بجلاء من كان أكثر اتزانًا في سباق القمة هذا الموسم.
بالنسبة لجمهور الكرة في مصر، هذه النقطة شديدة الدلالة: بيراميدز لم يعد فريقًا يعيش على صفقات كبيرة أو حضور إعلامي لافت فقط، بل أصبح طرفًا ثابتًا في أعلى مستويين من التنافس، المحلي والقاري معًا. هذا النوع من الثبات هو ما يصنع المكانة، خصوصًا حين يقترن بعمق قائمة وخيارات فنية تسمح للفريق بالمناورة بين أكثر من بطولة.
ما الذي كشفه المشوار القاري عن حقيقة بيراميدز؟
إذا كانت الوصافة المحلية تركت مرارة، فإن المشهد القاري قدّم الوجه الآخر بالكامل. بيراميدز وصل إلى أول نهائي في تاريخه بدوري أبطال أفريقيا، ثم تُوج لاحقًا باللقب لأول مرة بعد التعادل 1-1 ذهابًا مع ماميلودي صنداونز في بريتوريا يوم 24 مايو 2025، والفوز 2-1 إيابًا في القاهرة يوم 1 يونيو 2025.
هذه ليست مجرد نتيجة كبيرة؛ إنها شهادة جودة على مستوى البناء الفني. الفريق الذي يقدر على العبور إلى نهائي قاري لأول مرة ثم يحسمه أمام صنداونز، لا يمكن اختزاله في كونه خسر الدوري بفارق بسيط. القارة هنا قالت إن بيراميدز يملك ما هو أكثر من رد الفعل: يملك هيكل فريق ناضج قادرًا على لعب مباريات الضغط العالي، وعلى إنتاج حلول حاسمة خارج الأرض وداخلها.
كما أن مشواره قبل النهائي دعم الفكرة نفسها. CAF وثّق فوزه الكبير على الجيش الملكي بنتيجة 4-1 في ذهاب ربع النهائي بالقاهرة يوم 1 أبريل 2025، في مباراة برز فيها فيستون ماييلي وإبراهيم عادل بصورة لافتة.
يورتشيتش.. بصمة مدرب صنعت الشكل
جزء كبير مما يقوله موسم بيراميدز عن النادي يرتبط بعمل المدرب كرونوسلاف يورتشيتش. تقرير CAF عن الفريق وصف ملامح واضحة لأسلوبه: 4-2-3-1 مدمجة، ضغط انتقائي، حماية للمساحات المركزية، ثم انطلاق سريع عبر الأطراف والرباعي الأمامي. هذه ليست مجرد تفاصيل تكتيكية؛ إنها تعني أن بيراميدز أصبح يملك هوية قابلة للتكرار، لا يعتمد فقط على المهارة الفردية.
الأهم أن هذا البناء ظهر في أسماء بعينها شكلت العمود الفقري للفريق: أحمد الشناوي في الحراسة، أحمد سامي ومحمد الشيبي ومحمد حمدي في الخط الخلفي، مهند لاشين ووليد الكرتي في الوسط، ثم إبراهيم عادل ومصطفى فتحي ورمضان صبحي وفيستون ماييلي في الثلث الهجومي، وهي أسماء ظهرت أيضًا في التشكيلات الرسمية للمباريات الكبرى بنهاية الموسم.
ماييلي وإبراهيم عادل.. عنوان النضج الهجومي
إذا كان لا بد من اختيار عنوان بشري لموسم بيراميدز، فسيكون من الصعب تجاوز فيستون ماييلي. هداف الفريق تُوج هدافًا لدوري أبطال أفريقيا برصيد 9 أهداف، بينما سجل إبراهيم عادل 6 أهداف في البطولة نفسها وفق قائمة الهدافين المنشورة عبر FilGoal، مع تأكيد CAF أن ماييلي حسم صدارة الهدافين بعد النهائي.
هذا الثنائي يكشف الكثير عن بيراميدز الحالي. ماييلي منح الفريق مهاجم الصندوق الحاسم، وإبراهيم عادل منح الخط الأمامي الإبداع والاختراق والقدرة على كسر النسق. في دوري طويل، تحتاج إلى منظومة؛ وفي المباريات المفصلية تحتاج أيضًا إلى لاعب يحسم. بيراميدز امتلك الأمرين معًا، ولهذا بقي منافسًا محليًا ونجح قاريًا.
ماذا تعني الخسارة أمام الأهلي لا أمام الزمالك؟
رغم أن صياغة النقاش الجماهيري قد تربط أي حديث عن خسارة لقب الدوري باسم الزمالك، فإن الوقائع الموثقة للموسم 2024-2025 واضحة: الأهلي هو من تُوج باللقب، بينما أنهى الزمالك الموسم ثالثًا. لهذا فإن القراءة الأدق ليست أن بيراميدز خسر سباقه للزمالك، بل إنه تقدم على الزمالك في جدول الموسم كاملًا، وحجز مكانه في دوري الأبطال، بينما استمر الزمالك خارج البطولة القارية الأولى للأندية في أفريقيا.
هذه الملاحظة مهمة تحريريًا وجماهيريًا، لأنها تمنع اختزال الموسم في انطباعات عامة لا تدعمها النتائج. بيراميدز خسر الدوري، نعم، لكنه لم يتراجع داخل الهرم التنافسي المحلي؛ بل ثبت نفسه ثانيًا، ثم رفع سقف النادي قاريًا إلى أبعد نقطة ممكنة.
الخلاصة: نادٍ تجاوز مرحلة التجربة
ما تقوله دفعة بيراميدز الأخيرة نحو اللقب، ثم تأهله إلى دوري الأبطال، وبعدها تتويجه القاري، هو أن النادي دخل فعليًا مرحلة الترسيخ. لم يعد السؤال: هل يستطيع بيراميدز منافسة الكبار؟ بل أصبح: كيف يحول هذه الجودة إلى هيمنة محلية أطول مدى؟
الموسم كشف ثلاث حقائق واضحة:
- أولًا: بيراميدز بات يملك شخصية تنافسية تسمح له بالبقاء في السباق حتى الجولة الأخيرة.
- ثانيًا: الفريق يملك هوية فنية وأسماء حاسمة تجعله مؤهلًا للنجاح محليًا وقاريًا.
- ثالثًا: خسارة الدوري لم تُسقط المشروع، بل كشفت فقط عن الخطوة التالية المطلوبة: تحويل النضج القاري إلى ثبات أكبر في تفاصيل الدوري المصري.
بكلمات أبسط يفهمها القارئ المصري جيدًا: بيراميدز خرج من الموسم بلا درع الدوري، لكنه خرج أيضًا باعتراف أكبر بكثير من مجرد وصافة. خرج باعتباره ناديًا يصعب تجاهله في أي حديث جاد عن القوة الأولى التالية في الكرة المصرية، وبفريق أثبت أن المستقبل بالنسبة له لم يعد وعدًا، بل واقعًا بدأ بالفعل.