لماذا يتجنب النجوم العشب الصناعي؟ ملف صلاح يفتح النقاش
إراحة محمد صلاح أعادت ملف العشب الصناعي إلى الواجهة
عاد الجدل حول اللعب على العشب الصناعي إلى الواجهة بقوة بعد تداول أسباب فنية وبدنية وراء التعامل بحذر مع مشاركة القائد محمد صلاح (@mosalah على إنستغرام) في معسكر منتخب مصر، في وقت باتت فيه إدارة دقائق النجوم أحد الملفات الحساسة داخل المنتخبات والأندية، خصوصًا عندما تتقاطع الأجندة الدولية مع مصالح الأندية الكبرى ومستقبل لاعبين ترتبط أسماؤهم دائمًا بأخبار السوق والعقود والانتقالات.
المنتخب المصري دخل فترة التوقف الحالية استعدادًا لمباراتيه أمام أنجولا وجنوب السودان ضمن تصفيات كأس الأمم الأفريقية 2027، وفق ما أعلنه الاتحاد المصري لكرة القدم، كما تعادل مع أنجولا بدون أهداف يوم الجمعة 25 سبتمبر/أيلول 2026 في افتتاح مشواره بالمجموعة الثانية. هذه الخلفية زادت من حساسية أي قرار يتعلق بالتحميل البدني أو المخاطرة بلاعبين أساسيين على أرضيات مختلفة الجودة أو الطبيعة.
لماذا يتحفظ اللاعبون على العشب الصناعي؟
التحفظ لا يعني بالضرورة أن اللعب على العشب الصناعي محظور أو غير قانوني، لكنه يرتبط غالبًا بشعور عدد من اللاعبين والأجهزة الطبية بأن هذا النوع من الأرضيات يغيّر طريقة الجري، والارتكاز، والدوران، والانزلاق، وهو ما قد يرفع الإحساس بالإجهاد العضلي أو يزيد القلق من إصابات المفاصل والعضلات لدى بعض اللاعبين، خاصة من يخوضون عددًا كبيرًا من المباريات على مدار الموسم.
فيفا تؤكد أن أي أرضية صناعية لا يمكن وصفها بأنها Football Turf إلا إذا اجتازت اختبارات معملية وميدانية دقيقة ضمن برنامج الجودة الخاص بها، وأن التقييم يشمل أداء اللعب، والسلامة، والمتانة، والتفاعل بين اللاعب والسطح، وكذلك تفاعل الكرة مع الأرضية. كما تعتبر فيفا أن المرجع الأساسي في الاختبارات هو ملعب عشبي طبيعي بحالة جيدة. هذا يعني أن المشكلة ليست في المسمى وحده، بل في جودة التنفيذ والصيانة والفارق بين ملعب صناعي مطابق للمعايير وآخر أقل مستوى.
الفرق بين القبول القانوني والاطمئنان الفني
من الناحية التنظيمية، فيفا والاتحادات القارية تقبل استخدام بعض الملاعب الصناعية إذا استوفت المعايير المطلوبة. لكن من الناحية الفنية، يظل كثير من اللاعبين أكثر راحة على العشب الطبيعي، لأن الإحساس بالحركة والهبوط بعد القفز والالتحام والانزلاق الدفاعي يكون مختلفًا. حتى إرشادات فيفا الخاصة بالملاعب تشير إلى أن الانتقال المفاجئ من سطح طبيعي إلى صناعي قرب حدود الملعب قد يؤثر في توازن اللاعب وتمركز قدمه، وهو تفصيل يوضح مدى حساسية علاقة اللاعب بنوعية الأرضية.
ماذا قالت الدراسات والهيئات الكروية؟
الصورة ليست أحادية. بعض المواد العلمية التي نشرتها يويفا سابقًا أشارت إلى أن الدراسات الاستكشافية لم تُظهر دليلًا قاطعًا على ارتفاع خطر الإصابات على العشب الصناعي مقارنة بالعشب الطبيعي، لكن في المقابل واصلت فيفا نفسها تطوير أدوات قياس جديدة لتفاعل اللاعب مع الأرضية، كما شددت على أن أبحاثها ومسوحاتها لآراء اللاعبين جزء أساسي من تحديث المعايير. بعبارة أخرى: النقاش لم يُغلق، والاختلاف قائم بين النتائج العلمية العامة وبين إحساس اللاعبين الفعلي وخبراتهم المتراكمة.
كما تؤكد فيفا في ملفات الوقاية الطبية أن ازدياد الأحمال البدنية في كرة القدم الحديثة جعل منع الإصابات أولوية قصوى لحماية صحة اللاعبين وإطالة مسيرتهم. ومن هنا يصبح من المنطقي أن تميل الأجهزة الفنية إلى تقليل أي مخاطرة إضافية عندما يتعلق الأمر بنجم بحجم صلاح، خاصة إذا كانت المباراة التالية تُقام على أرضية يفضّل كثير من اللاعبين التعامل معها بحسابات دقيقة.
لماذا يهم هذا الملف في قسم الانتقالات تحديدًا؟
قد يبدو الحديث عن أرضية الملعب شأنًا طبيًا أو فنيًا بحتًا، لكنه في الحقيقة يرتبط مباشرة بعالم الانتقالات. الأندية التي تستثمر عشرات الملايين في لاعبيها تراقب دقائق اللعب، ونوعية الملاعب، والإجهاد التراكمي، وكلها عوامل تؤثر في قيمة الأصل الرياضي للاعب. إصابة نجم كبير خلال فترة دولية قد تنعكس فورًا على خطط المدرب، وعلى موقف النادي في المفاوضات، بل وعلى تقييم المخاطر عند تجديد العقود أو دراسة عروض البيع والشراء.
في حالة صلاح تحديدًا، الحساسية أكبر دائمًا. اللاعب ليس مجرد قائد لمنتخب مصر، بل أحد أهم الأسماء التسويقية والفنية في الكرة العالمية، وأي قرار يتعلق بإراحته أو تقليل دقائق مشاركته يقرأه جمهور الأندية والوكلاء والمحللون من زاويتين: زاوية المنتخب الذي يريد أفضل نسخة من قائده، وزاوية النادي الذي يريد حمايته من الإرهاق والإصابة قبل استئناف الموسم.
كيف تتعامل الأندية مع هذه الحالات؟
- تقييم الأحمال البدنية: عدد دقائق اللعب والسفر والاستشفاء بين المباريات.
- مراجعة نوعية الأرضية: طبيعي، هجين، أو صناعي، وجودة الصيانة.
- تقدير قيمة اللاعب: كلما ارتفعت القيمة الفنية والتجارية زاد التحفظ.
- التنسيق مع المنتخبات: خصوصًا في فترات التوقف الدولي المزدحمة.
لهذا لم يعد مستغربًا أن يتحول قرار إراحة لاعب واحد إلى قضية تتجاوز مباراة بعينها، وتدخل في إطار إدارة المسيرة الاحترافية نفسها.
هل العشب الصناعي سيظل أزمة في أفريقيا؟
في القارة الأفريقية، يظل الملف حاضرًا بسبب تفاوت البنية التحتية بين الملاعب، واختلاف المناخ، وكلفة الصيانة، والضغط الكبير على بعض المنشآت. فيفا نفسها ترى أن من مزايا الأرضيات الصناعية مقاومتها للطقس وكثافة الاستخدام، وأنها قد تمثل بديلًا عمليًا في بعض البيئات، لكن ذلك مشروط دائمًا بأن تكون الأرضية من الجيل المناسب، وبمستوى صيانة يضمن السلامة والأداء.
المشكلة أن اللاعبين لا يحكمون على الأرضيات من خلال الشهادات فقط، بل من خلال التجربة المباشرة: ارتداد الكرة، سخونة السطح، قسوة الهبوط، وسهولة تغيير الاتجاه. لذلك يبقى التخوف مفهومًا، حتى لو لم يكن دليلًا علميًا حاسمًا على خطر أعلى في كل الأحوال.
خلاصة المشهد
قرار التعامل بحذر مع محمد صلاح لا ينفصل عن واقع كرة القدم الحديثة، حيث أصبحت سلامة اللاعب وإدارة مجهوده ملفًا استراتيجيًا، لا مجرد اختيار فني مؤقت. الجدل حول العشب الصناعي سيستمر، ليس لأن اللعبة ترفضه بالكامل، بل لأن الفارق بين ملعب صناعي مطابق للمواصفات وآخر أقل جودة قد يكون كبيرًا جدًا في شعور اللاعبين وفي قرارات الأجهزة الفنية.
وبالنسبة للجمهور المصري، فإن قصة صلاح تعكس نقطة أبعد من اسم لاعب بعينه: الاستثمار في النجم يبدأ من حمايته. وفي زمن الانتقالات المفتوح والمواسم المضغوطة، قد يكون قرار الإراحة أحيانًا أهم من قرار المشاركة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بلاعب يمثل رصيدًا فنيًا وتسويقيًا بحجم قائد منتخب مصر.